Follow by Email

Wednesday, August 5, 2015

the best of youth

فيلم مميز جدا، يحسسك انك في رواية أجيال لماركيز او لنجيب محفوظ، كل زاوية تلاقي فيها اهتمام بالتفاصيل كأنك بتقرى لديستوفيسكي وكل حاجة محطوطة قدام ميزان الخير والشر كأن نيتشة هو المخرِج، النوع ده من القصص اللى مع كل سطر تلاقيه بيعلمك حاجة جديدة أوبيفتحلك باب أو ينورلك طريق. النوع ده من القصص اللى محدش ينفع يحرقهالك حتى لو ذكرلك تفاصيل التفاصيل. النوع ده من القصص اللى بتشوف فيه الأحداث ازاي انها عمرها ما بتفضل أبداً على وتيرة وحدها حتى لو كان عندك كل مقومات النجاح، لازم يحصلك فشل ما وكبوات واحباطات كتير تظهر في حياتك، حتى لو انت لم تختر ده.

نرجع للفيلم 
فيلم بتشوف فيه الصراع بين أكتر نمطين شائعين من البشر: العقلاني/السينيكالي وبين العاطفي/السيمنتالي، الطريقتين غرضهم التغيير للأفضل وبيسعوا لإنتصار الخير ، بس كل واحد بيكتشف ان في تمن ما لازم يندفع عشان الطريق يكمل للآخر، وطبعا مفيش طريقة مثلى لإدارة الأمور لأن الكون ملوش كتالوج يدار به لكن له خالق ينفذ مشيئته في الأشياء فتحدث

الفيلم  طويل جدا 385 دقيقة يعني 6 ساعات و20 دقيقة ، فيلم دسم أوي والكتابة عنه مش سهلة، انا معرفتش اتفرج على الفيلم ده مرة من واحدة في الأول، كنت بتفرج عليه بشكل متقطع لحد ما قعدت واتفرجت عليه حتة واحدة، وهتتفاجئ من ان المخرج عرف بشكل سحري يخليك متزهقش طول ال 6 ساعات دول عشان وان كان الفيلم طويل وبيحكي فترة 40 سنة ولكن ايقاعه سريع وأحداثه متشابكة وممتدة في أكتر من اتجاه وبيتكلم عن كل حاجة في ايطاليا خلال الفترة من 1966 لحد 2003 كل حاجة  في ايطاليا جغرافياً واجتماعياً وإقتصاديا وثقافياً، وازاي المجتمع الايطالي اللى نوعاً ما متحفظ دينيا وأخلاقيا نسبة لبقية أوروبا كل شوية بيصحح مساره. 

الفيلم فيه شخصيتين رئيسيتين، شخصية نيقولا كراتي العاطفي الجذاب والمحبوب من الجميع: طبيب أنهى سنوات دراسته بنجاح في كلية الطب بنصيحة من أستاذه انه يسيب ايطاليا ويدرس في اي حتة في اروبا أو امريكا أحسن له، لكن نيقولا لا يخطط لشئ هو فقط يفعل ما يحبه يثق في حدسه دائما ويترك الأمور تسير كيفما تشاء لا كيف ما يشاء هو، ولذلك  بيأجل شوية فكرة السفر للدراسة لأنه لسة محددتش هو ناوي يتخصص في ايه لسة مستنى الدنيا تبينله ده، ولذلك بيحضر نفسه انه يلف مع اخوه واتنين من أصدقاء الدراسة أوربا في رحلة طويلة 

الشخصية التانية "ماتيو كراتي" العقلاني المنضبط المثالي الذي يرى أن كل شئ لابد ان يخضع للقوانين وأننا وحدنا نتحكم بالمقدمات والتوالي معا: طالب متميز طوال سنوات دراسته،  متوحّد ويفضل الخلوة  ويهوى التصوير الفوتوغرافي - يحظى بإحترام الجميع بالأخص والده الذي يعلن في كل مناسبة انه فشل في محاولة فهم سلوكه ورغباته ويحظى أيضا باحترام أمه المدرّسة التى يعجبها كثيرا توفق ابنها الدراسي فهذا هو مصدر فخرها وارتباطها الوحيد به - له شواهد تخوله المسير في مستقبل رائع كأديب، ولكنه لا يقبل الاختلاف في الرأي مع أستاذه فيتخلى سريعا عن مهنته عند أول عائق ، وينضم لبرنامج في مركز تأهيل نفسي لمساعدة المرضى ويتعلق ب "جورجيا" فتاة تعرضت لمعاملة سيئة من أبيها الذي بدوره أودعها المصحة النفسية وانقطعت اخباره عنها ، صارت متوحدة ومصابة بفصام حاد، يعلم أنها تعالج بالصدمات الكهربائية فيهرب بها من المصحة و"يوّرط" أخاه نيقولا في رحلة أخرى لتسليمها لوالدها، وبالطبع يرفض والدها استلامها فتصير عبئاً عليهم في رحلتهم الأساسية ، تقبض عليها الشرطة وتنقطع اخبارها عنهم مؤقتا لمدة عشر سنوات، يشعر ماتيو بالفشل فيعود لروما ليلتحق بالخدمة العسكرية ويكمل نيقولا طريقه في رحلة اكتشاف الذات ولكن دون أن ينضم  لصديقيه 

يجرب نيقولا حياة الهيبيز ويضطر للعمل في ورشة نجارة في النرويج لتدبير نفقات معيشته، حتى يحدث فيضان مدمر في فلورنسا/فيرينزا فيضطر للرجوع للمشاركة في جهود الانقاذ.

وبالمصادفة يحضر أخوه ماتيو أيضا كجزء من قوات الجيش للدفاع المدني ويلتقي الاثنين بصديقيهما ، فيتأمل أربعتهم ما آلت إليه الأمور وتكون رمزية الفيضان أن حياة جديدة طمرت تحت الاوحال وبدأت حياة جديدة لإيطاليا وبطبيعة الحال لنيقولا نفسه

يتعرّف نيقولا على جوليا من خلال عزفها لمقطوعة لموتسارت على بيانو وسط الأنقاض، جوليا المتأثرة كثيرا بالفكر الشيوعي وبالمقاومة المسلحة لتغيير الأوضاع تحضّر لدراسة الماجستير في الرياضيات، يعجب بها نيقولا ويعود معها لتورينو وينتظم معها في وقفات المعارضة والاحتجاجات وينتقلا للعيش معاً وينجبا طفلتيهما الوحيدة سارة. مع الوقت يتضح لنيقولا أن جوليا تتحول تدريجيا لتشبه تصرفاتها تصرفات أخيه "ماتيو" ويكتشف مع المزيد من المشاكل الحياتية انه هو من لم يأخذ وقته للتعرف عليها بشكل أكثر وأن القليل من التخطيط  عموماً لن يضر.

 أما "جوليا" فتتخلى عن عزف البيانو لأنها تعتقد أنها لن تتقن تعلّمه أبداً وبما أنها شديدة التطرف فيما يخص رغباتها فتتخلى تماماً عن عزف البيانو فهي ك "ماتيو" إما ان تفعل الشئ بشكل صحيح 100% أو لا تفعله أبداً. تنخرط أكثر فأكثر في التنظيم السري الشيوعي وتتخلى عن ابنتها وتهجر نيقولا وتصبح أحد منفذي الاغتيالات في التنظيم . 

من خلال الاحتجاجات يتعرف نيقولا على صديقين جديدين:
- "كارلو" محاسب موهوب مهتم بالشأن الإقتصادي العام، وفيما بعد في مشهد الجواز من أخت نيقولا (فرانشيسكا) لخبطة عاقد القران بتدينا انطباع ان الأصدقاء بقوا خلاص عيلة واحدة  وان مش شرط عيلتك بس تبقى اللى من صلبك لأ ممكن جدا أصدقائك المخلصين يبقوا جزء من عيلتك.
- "فيتالي" عامل بشركة فيات للسيارات، منتظم في النقابات والحركات العمالية ويتحول فيما بعد - بعد تسريحه-  لمقاول بناء ناجح جدا وفي الآخر هو اللى هيبني بيت كارلو اللى هيبقى بيت العيلة اللى بيجمع الكل،في مشهد جميل أوي فيما بعد لما كارلو يتجوز اخت نيقولا الصغيرة "فرانيشسكا" ويعرف ان فيتالي اتسرّح من شغله.
من جهة أخرى ينضم "ماتيو" لمجموعات فض الشغب ضمن مظاهرات تورينو  التي تشهد احتجاجات مستمرة نتيجة لإضرابات العمال المتكررة، يصاب صديق "ماتيو" المدعو "لويجي" في الاحتجاجات حيث ينهال أحد المحتجين على رأسه بهراوة مسببا له شللاً دائما ، يعتدي "ماتيو" على المتظاهر فيلحق به الأذى ويتم على أثره نقل "ماتيو" إلى صقلية ليعمل مصوراً مع فريق البحث الجنائي التابع لشرطة صقلية ويقابل "ميريللا" التي تعجب به من أول نظرة وتتحرق شوقاً للقاءه مجدداً ، يعطيها "ماتيو" بعض النصائح في التصوير الفوتوغرافي ويتركها سريعا للذهاب لتغطية جريمة ما وقبل الذهاب يخبرها أن اسمه "نيقولا"  -وهذا ما ستفهمه في مشهد الختام  من ظهور شبح ماتيو ثم تركهم يتبادلون القبل في سلام- على إثرها يقع "ماتيو" في مشكلة نتيجة حدة طباعه يتم على أثرها نقله مجددا لقسم شرطة باليرمو  وتتوالى الأحداث التى تؤثر أكثر وأكثر في حدة طباع ماتيو واحباطه من أن لا شئ يسير وفق ما يريد. انتقاله المتكرر لوظائف وأماكن مختلفة دليل على روحه الحائرة مثله مثل جوليا  طباعه الحادة وهجومه على الأفراد استبدلتها جوليا بالاغتيالات المسلحة ، لم يرد ماتيو التعلم حتى عندما قضى ليلته مع ماريللا، لا أحد يتحدى الحياة، لا أحد أقوى من تصاريف القدر من يفعل ذلك يكون مصيره الانتحار، أو يخسر حياته في السجن كـ "جوليا"

"جورجيا" دائما كانت تمثل نقطة التقاء نيقولا وماتيو ودائما ما تظهر عند نقاط التغيير الكبرى في حياة ماتيو في البدء عندما وجدها ماتيو تغيرت رحلتهم المزمع قضاءها في أوروبا وعندما فقدوها .. فقد نيقولا أخوه ماتيو ليلتحق الأخير بالجيش،و بشكل خاص ويتضح ذلك عند العثور عليها مرة أخرى في حالة يرثى لها كان ماتيو أيضا يمر بنفس الحالة ، وحين ما تحررنيقولا من إرث ماتيو .. ساعدها نيقولا لكي تحرر نفسها هي الأخرى طبعا بعد فوات الأوان وهو ما اتضح في مشهد عدم لحاقها بالقطار ولكن it's never too late  في آخر الأمر قد نعيش حياة بشكل لا نريده فقط لنضحي بتجاربنا ليتعلم الآخرين.
سارة  بنت نيقولا وجوليا شهدت طفولة جيدة نوعا ما ولكن ترك أمها لها أثر كثيرا في شخصيتها وجعلها مع الوقت تتجه نحو العزلة والاكتئاب نفهم هذا من مشاهد سريعة لحواراتها مع أبيها ومشهد البالون الأرزق الذي أطلقته ليجد أمها، كانت سارة في بداية حياتها تحتاج إلى أم، ثم مع فترة المراهقة تحولت الى سخطها عليها وأنها لم تتحمل المسئولية ، يتضح هذا من المشهد الذي أخبرها فيه نيقولا أنه ذاهب ليتحقق من مدير شركة ما حاول الانتحار لأنه لا يتحمّل السجن فعقّبت سارة انه لا يستحق البراءة لأنه لم يتحمل نتيجة أفعاله (يفهم نيقولا من كلامها نبرة التطرف الزائدة ويحاول كبح جماحها بطريقة ناعمة لكنها مؤثرة على المدى الطويل )  تنتقل سارة للعيش مع عمتها فرانشيسكا وزوجها كارلو، هي في حقيقة الأمر تحتاج إلى عائلة وإلى من يعوضها عن أمها الهاربة ووالدها المشغول دائما ، فيما بعد في آخر الفيلم بعدما تعثر سارة على مكان أمها يسألها نيقولا بعد أن قرأ رسالة جوليا لسارة .. سألته سارة "ماذا عليها أن تفعل؟"  فرد "هل أنتِ سعيدة؟" إذن عليكِ أن تكوني كريمة وتساميحها وهو ما حصل فيما بعد في المشهد التالي مشهد الكنيسة

لقاء سارة بأمها شئ شديد الدلالة أيضا وهو ما يعلّمنا أن الانفتاح على الفن يختصر الكثير من سنوات الحياة اللازمة لتعلم الحكمة والتسامح وكل القيم النبيلة ، بكل بساطة نسفت سارة كل سنوات جوليا البائسة وهي أن الحرية الحقيقية ليست في نمط واحد لابد أن يسري على الناس ولكن الحرية هي ان تضمن أنماط متعددة للعيش لا تتعارض فيما بينها وهذه دلالة كلمة سارة لجوليا  "عشتي عمرك كله محاولة قلب نظام العالم والآن تبحثين عن إذن الكاهن للعب البيانو ؟ تلعب جوليا على الأورغن أخيرا دون انتظار توفر بيانو ودون انتظار اتمام اتقانها العزف تتعلم جوليا من ابنتها ان تستغل الظروف المواتية وأن الفن منبعه الروح والشعور به لا ينبع من  العقل والمنطق

"أندريا كراتي" ابن ماتيو وماريللا طفل نشأ مع أمه في مدينة ساحلية منعزلة يتسبب الصغير في تغيير حياة جدته ، أم نيقولا عقلانية إلى حد كبير ودائما ما كانت  تتشاجر مع الأب لأنه كان يحب الحياة ويغلّب الخيال على الحقائق ، بينما هي المعلّمة مولعة بالإنضباط والدقة يتضح ذلك في تربيتها ل "جيوفانا" البنة البكرالمحامية ثم القاضية فيما بعد وماتيو العنيد ، وفي المقابل يؤثر الوالد في نيقولا وفرانيسكا المحبين للحياة السعداء المرحين والمؤثرين في حياة غيرهم بالإيجاب.

قبل أن تتعرف الجدة على الصغير من نيقولا ، كانت حياتها بائسة كانت ميتة نظريا ، فحركتها صارت بطيئة وتسكن في شقة معتمة واستخدم  نيقولا لفظ الكفن "حرفيا" ليصف شقتها وحياتها ، تعارض نيقولا في البدء ولكن يفلح نيقولا في إقناعها تنتصر فدائماً ما تنتصرالحياة الجديدة على القديمة. في الطريق إلى صقلية حيث تسكن ماريللا يتصارح نيقولا وأمه ببعض المشاكل العالقة ، كانت هذه هي مشكلة العائلة من البداية الأب يخفي مرضه ماتيو يخفي خططه للمستقبل نيقولا يخفي مشاعر غيرته تجاه أمه ، الأم تخفي سبب قسوتها عليهم ، لا أحد يسأل ولا أحد يفصح عن الأسباب. يتغير ذلك كله طبعا في طريقة تعاطي الجدة مع الحفيد حيث تتلافى كل أخطاء تربيتها لماتيو فيغدو أندريا مزيجا من العقل والعاطفة، مزيجاً من الحزم واللين، مزيجاً من الثقافة واللّهو مزيجا من نيقولا وماتيو، حتى الجدة نفسها تتخلى عن قيودها وتستمتع بتدخين السجائر ببساطة شديدة مع عمّال البناء ، أدى كل من الجدة والحفيد مهمتهما تجاه الآخر. ثم ترحل الأم فجأة بعد انهاء مهمتها في مشهد بديع جدا  حيث يتلو طفلا ذا احتياجات خاصة برقية النعي على مسامع نيقولا ومجددا يموت أحدهم ليولد الآخر.
من وجهة نظري ده هو اليقين الصافي اللى كان عند أولياء الله، اللى كان يخليهم شايلين هم الآخرة بشكل صادق يخليهم ميعرفوش يتفاعلوا مع الدنيا او يهتموا بها ويعتبروها صدقاً أنها ليست ذات قيمة، يقين يخليهم يأتوا بالعجائب اللى بندرجها احنا في عالم الميتفيزيقيا عشان محدش يتريق علينا ويقول علينا دراويش 

أهل اليقين دول اللى عارفين أن الأمر ((كله)) لله وأنك حين تحرك العير لتصيب تجارة فأنت لست سوى حادياً لها لا أكثر فأنت لا تملك أمر البيع والشراء، وهنا بيبقى عندنا 3 فروع رئيسية 
1- السبب كدة كدة بإيد الله وليس من اختيارك (جنسك -لونك- نَسَبَك -جنسيتك <كموطن للميلاد> - جاذبية شكلك)  الحاجات اللى ربنا أدرجها تحت (لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها) حاجات سببها مش في إيدك ولكن نتيجتها والتفاعل مع معطياتها  واقفة عليك ،
2- وعلى النقيض في حاجات انت بتتحكم في أسبابها (أخلاقك- علاقتك بالغير - تطوير نفسك باكتساب معارف أخرى مثلا) دي الحاجات اللى أسبابها بإيدك ونتيجتها على ربنا  (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ماكسبت وعليها ما اكتسبت)  لفظ وسعها ده يخليك تفكر ان روحك دي عاملة زي الأستك تقدر توسعاه لتشمل الكون او تضيقها على نفسك وتعيش محروم . وده أساسه الفهم، ربنا هيحاسبك على فهمك لذلك ينبغي  لما  تعمل الحاجة تكون ليك حججك الواضحة في ذلك اللى انت مقتنع بيها لأن محدش هيتحاسب بدالك يستوي في ذلك الناصح واللائم يعني.

3- وحاجات ليس لك فيها من الأمر شئ زي الرزق والموت (ما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت ) لا يغير من ذلك حسن حيلة ولا تغيير وسيلة